يمكن توضيح حقيقة الفعل البشري وعلاقته باستطاعة الإنسان من خلال مثل القلادة في شكلها الجميل المحبوب أو القبيح المكروه، فو مثلنا بقياس الأولى أن إرادة الإنسان في فعله تشبه الخيط الذي يربط حبات العقد أو الخرز، فالإرادة تنتظم عليها الأسباب كانتظام الحب أو الخرز ليكون شكلا حسنا أو شكلا قبيحا.

وهذا التشبيه بالغ الدقة؛ لأنه مما لا شك فيه أن أي فعل ظاهر يقوم به الإنسان يتم كما هو معلوم بالضرورة بأعضائه الجسدية، أو بالأدوات الخارجية التي يستعين بها على إتمامه، كما أنه من المعلوم أيضا أن أي فعل يحدث عبارة عن عدة أفعال صغيرة ينتهي كل منها في حقيقته إلى حركات وسكنات، سواء كانت حركات نفسية أو جسدية أو طبيعية، تلك الحركات والسكنات تتشكل بالضرورة في شكل معين، وبتوقيت معين يفرضهما نوع الفعل المكتسب والغاية من هذا الفعل، كما أن الفرق بين فعل وآخر هو اختلاف تلك الحركات والسكنات كما وكيفا، زمانا ومكانا.

ومثال ذلك أننا لو فرضنا والدا يؤدب ولده ضربا، وآخر يحتضن ولده شفقة وحنانا، فإن كلا الفعلين يستخدم فيهما الوالد والولد، وكل منهما يستخدم حركة الأعضاء في البدن مع إرادته الداخلية وبقية أعماله القلبية، ومن ثم فمجموع الحركات والسكنات ليس في الحقيقة سوى علة لوجود الفعل المراد ونتائجه، وفي نفس الوقت فإن كل حركة سابقة تصبح علة أو سببا للحركة التالية المعلولة الناتجة، التي ما تلبث أن تصبح هي الأخرى علة لمعلولها الذي يليها، وهكذا حتى تأتي الحركة الأخيرة التي هي معلول وليست علة.

وعلى ذلك فالفعل البشرى يبدأ بنية وإرادة وينتهي بعد توالي الحركة والسكون بتحقيق المراد، فالفعل البشرى علته الأولى البادئة أو علة بدايته داخلية في ذات الإنسان ومتمثلة في إرادة الفعل، ونهاية الفعل أو معلوله الأخير أيضا داخلي في ذات الإنسان، ومتمثل في تحقيق المراد وإشباع الإرادة، فهو إما ينتهي محققا لذة وسرورا ومتعة، أو محققا ألما وضررا وبؤسا. ومساحة ما بين العلة الأولى والمعلول الأخير من العلل والمعلولات الخارجية في الفعل البشرى هي من خلق الله سبحانه وتعالي وتوفيقه وإمداده وتيسيره وهذه المساحة هي حبات العقد أو الخرز في المثل الذي ذكرناه.

أما قيام العلة الأولى وامتدادها إلى تحصيل المعلول الأخير فهو الخيط الذي ينظم الحب والخرز في العقد، وهذا يطابق المعنى المشار إليه في قوله تعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ، فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى الليل:٤/١٠. وقوله: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ الصافات:٩٦.

ويمكن تعريف الفعل البشرى الاختياري بأنه مجموعة من العلل والمعلولات تبدأ بعلة أولى وهي الإرادة وتنتهي بالمعلول الأخير وهي تحقيق المراد. فالفعل المختار نابع من ذات الإنسان وهو المسئول عنه تصديقا لقوله صل الله عليه وسلم: (إِنّما الأعْمال بالنِّيات، وإِنّما لكُل امْرِىءٍ ما نوى: فمنْ كانتْ هِجْرتُه إِلى دُنْيا يُصِيبُها، أوْ إِلى امْرأةٍ ينْكِحُها، فهِجْرتُه إِلى ما هاجر إِليه) .

ومن هنا فلا عجب في تشبيه الإرادة البشرية بالخيط الرفيع الذي ينظم الخرز أو حبات العقد، فالاستطاعة أو العلل والمعلولات تتلبس بها الإرادة، وتصاحب الفعل مصاحبة الخيط لحبات العقد، فكما أن فصوص العقد موجودة أصلا، ودور الخيط هو تجميع الفصوص بالكم والكيف والشكل الذي يُنتج في النهاية شكلا مرغوبا أو مكروها، كذلك دور الإرادة مع الاستطاعة البشرية في إتمام الفعل، فدورها هو تجميع العلل والمعلولات وترتيبها بنسب معينة كما وكيفا، بحيث يؤدى هذا التجميع المنتظم حسب تلك النسب إلى أفعال مرغوبة ومرادة للفاعل أو مكروهة

وأهل اليقين يرون في قلادة التوحيد التي يجب أن يتحلى بها المسلم أن خيطها هو الالتزام بشرع الله واختيارهم له، وحباتها أو خرزها هو فعل الله بهم سواء بترابط العلل بمعلولاتها أو بانفكاكها عن معلولاتها، وذلك يكون عندهم بالرضا والتسليم المطلق لله سبحانه وتعالي في كل شيء شرعه لهم تحقيقا لمعنى توحيد العبودية، وفي كل فعل قدره عليهم تحقيقا لمعنى توحيد الربوبية.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©