لا يصح تأويل الاستواء على العرش بالاستيلاء والقهر، ومن اعتقد بأن استواء الله عز وجل هو الاستيلاء والقهر فهو من الجهمية وأتباعهم من المعتزلة والأشعرية وغيرهم من المبتدعة، واعتقاده باطل، وهو تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم، وأنزل بها كلامه ليس فيها معنى استولى، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، والذين قالوا: إن استوى معناها استولى استدلوا ببيت شعر ليس من شعر العرب وهو قول الأخطل النصراني:


قد استوى بشر على العراق : من غير سيف أو دم مهراق


قال ابن كثير: (هذا البيت تستدل به الجهمية على أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وليس في بيت هذا النصراني حجة ولا دليل على ذلك، ولا أراد الله عز وجل باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، ولا نجد أضعف من حجج الجهمية حتى أداهم الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح، تعالى الله عما تقول الجهمية علوا كبيرا) ([1]). وهذا الأخطل النصراني هو الذي قال مستهزئا بدين الله:


ولست بصائم رمضان يوما    :    ولست بآكل لحم الأضاحي


ولسـت بزائــر بيـتا بعـيدا    :      بمـكة ابتـغي فيـه صـلاحي


ولست بقائم كالعـير أدعو    :     قبيل الصبح حي على الفلاح


ولو كان الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء، لكان الكلام عديم الفائدة، لأن الله تعالى قد استولى على كل شئ في السماوات والأرض، فما معنى تخصيصه العرش بالذكر؟! ثم إن الاستيلاء لا يستوعبه العقلاء إلا بعد خصومة ومنازعة وعداء، وانتصار لطرف على آخر يقهر، فمن الذي حارب الله ونازعه على عرشه حتى قهره واستولى منه على عرشه.


 


    انظر البداية والنهاية 9/295.

    كتاب سهل - الرضواني

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©