الثلاثاء، 28 مايو 2019



وردت أدلة الكتاب والسنة بتصنيف أولياء الله السالكين إلى نوعين: وهم أهل الإسلام المقتصدون، وأهل الإيمان السابقون المقربون، وكلاهما موصوف بالإخلاص والمراقبة والإحسان، فالدرجة الأولى تحصل بأداء الواجبات وترك المحرمات، والثانية لا تحصل إلا بأداء الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات ، والدليل على ذلك ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضْته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أُحبه). فأنواع الولاية ودرجات السالكين مرتبطة بأسباب محبة الله لهم، وهي في الحديث محصورة في أمرين، الأول منهما أداء فرائض الله، والثاني أن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله، فإذا صار محبوبا لله، زاده الله عز وجل بفضله محبة أخرى فوق المحبة الأولى، فإن سمع سمع لمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به .

وقد قسم القرآن أنواع السالكين في ولاية الله والملتزمين بالطريق إليها إلى طبقتين، إما سابقون مقربون، وإما أصحاب يمين مقتصدون، ذكرهم الله سبحانه في عدة مواضع من كتابه، منها قوله تعالى: فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ، فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ، وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ . الواقعة:٨7/٩١.

وقد فضل الله عباده في درجات طاعتهم وأعمالهم، وجعلهم على درجتين أساسيتين، كل منهما يتفاضل من حيث درجة التقوى، والأكرم عند الله هو الأفضل في الطاعة والأتقى: درجة الإسلام وهي للمقتصدين، ودرجة الإيمان وهي للسابقين المقربين، وقد جعل الله الإحسان لازما لدرجة الإسلام ودرجة الإيمان، وليس الإحسان درجة ثالثة في الدين كما توهم ذلك كثير من المصنفين، بل داخلهم تقسيم الصوفية البدعي لأنواع السالكين، فجعلوا درجة الإسلام للعامة، ودرجة الإيمان للخاصة، ودرجة الإحسان لخاصة الخاصة، وهذا تقسيم باطل زلت فيه أقدام، وضلت فيه أعلام كما فعل الهروي في منازل السائرين. 

روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (بينما نحْن عِند رسول اللهِ صل الله عليه وسلم ذات يوْمٍ، إِذ طلع علينا رجُل، شدِيدُ بياضِ الثيابِ، شدِيدُ سوادِ الشعرِ، لا يرى عليهِ أثرُ السفرِ، ولا يعْرِفُهُ مِنا أحدٌ، حتّى جلس إِلى النبِي صل الله عليه وسلم، فأسند رُكْبتيهِ إِلى رُكْبتيهِ، ووضع كفّيهِ على فخِذيهِ، وقال: يا مُحمّدُ، أخْبِرْني عن الإِسلامِ؟ فقال رسول اللهِ صل الله عليه وسلم: الإِسلامُ أن تشهد أن لا إِله إِلا اللهُ، وأن مُحمّدًا رسول اللهِ صل الله عليه وسلم، وتُقِيم الصّلاة، وتُؤْتِي الزّكاة، وتصُوم رمضان، وتحُجّ البيت إِن استطعْت إِليهِ سبِيلا. قال: صدقْت. قال: فعجِبْنا لهُ يسألهُ ويصدِّقُهُ. قال: فأخْبِرْني عن الإِيمان؟ قال: أن تُؤْمِن بِاللهِ وملائِكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسلهِ واليوْمِ الآخِرِ وتُؤْمِن بِالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ. قال: صدقْت) .

أما الأدلة على أن لازم الإسلام والإيمان الإخلاص والمراقبة والإحسان، فهو ما بينه النبي صل الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام من تعريف الإحسان، وجعله على درجتين، درجة المقربين، ودرجة أصحاب اليمين فقال: (قال: فأخْبِرْني عن الإِحْسان؟ قال: أن تعْبُد الله كأنك تراهُ فإِن لمْ تكُن تراهُ فإِنهُ يراك).
ولذلك ربط الله تعالى الإحسان بالتقوى، وجعل التقوى صفة لازمة لصحة إسلام أصحاب اليمين، وصحة إيمان المقربين. قال تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ لقمان:٢٢. وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ، وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . المرسلات:٤١/٤٤.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©