الثلاثاء، 28 مايو 2019



لما كانت العبادة والاستعانة هما مدار توحيد العبودية لله تعالى، فإن أصناف الناس بحسب هذين الأصلين الشريفين أربعة أقسام بالضرورة، وقد بين ابن القيم حال كل قسم منهم على النحو التالي:
1- القسم الأول وهو أجلها وأفضلها، هم أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها، ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب تبارك وتعالى الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي لمعاذ بن جبل رضي الله عنه فقال: (يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه فتأملها.
2- القسم الثاني وهو الذي يقابل هؤلاء، وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة ولا استعانة، بل إن سأله أحدهم واستعان به، فعلى حظوظه وشهواته لا على مرضاة ربه وحقوقه، فإنه سبحانه وتعالى يسأله من في السموات والأرض، يسأله أولياؤه وأعداؤه، ويمد هؤلاء وهؤلاء من عطائه، وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونا له على مرضاته، كانت زيادة له في شقوته وبعده عن الله، وطرده عنه، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه ولم يكن عونا على طاعته كان مبعدا له عن مرضاته، قاطعا له عنه ولا بد.
وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه، وسقوطه من عينه، ويكون منعه منها لكرامته عليه، ومحبته له، فيمنعه حماية وصيانة وحفظا لا بخلا، وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته، ويعامله بلطفه، فيظن بجهله أن الله لا يحبه ولا يكرمه، ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنه بربه، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة
3- القسم الثالث من له نوع عبادة بلا استعانة، كالقدرية المعتزلة القائلين بأنه قد فعل بالعبد جميع ما يقدر عليه من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدور الله إعانة له على الفعل، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق وإرسال الرسل، وتمكينه من الفعل، فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة، فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان، وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر من غير أن يكون الله سبحانه وفق هؤلاء بتوفيق أوجب لهم الإيمان، وخذل هؤلاء بخذلان أوجب لهم الكفر، فهولاء لهم نصيب منقوص من العبادة لا استعانة معه، فيردون الفضل في عبادتهم إلى أنفسهم، وليس إلى توفيق ربهم، فهم موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد، فالإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض تكذيبه توحيده.
4- القسم الرابع وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضر، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لكنه لم يلتزم بما يحبه الله ويرضاه كالجبرية، فتوكل عليه واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، وطلبها منه، وأنزلها به فقضيت له، وأسعف بها، سواء كانت أموالا أو رياسة أو جاها عند الخلق، أو أحوالا من كشف وتأثير وقوة وتمكين، ولكن لا عاقبة له؛ فإنها من جنس الملْك الظاهر والأموال، لا تستلزم الإسلام، فضلا عن الولاية والقرب من الله، فإن الملك والجاه والمال والحال أعطاه الله للبر والفاجر والمؤمن والكافر، فمن استدل بشيء من ذلك على محبة الله لمن آتاه إياه ورضاه عنه، وأنه من أوليائه المقربين فهو من أجهل الجاهلين، وأبعدهم عن معرفة الله، ومعرفة دينه، والتمييز بين ما يحبه ويرضاه ويكرهه ويسخطه .
الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©