الأربعاء، 29 مايو 2019

جعل الله عز وجل الأمانة التي حملها آدم عليه السلام وكرم النوع الإنساني بسببها متمثلة في قضية استخلافه في الأرض، حيث رفعه الله وكرمه ومنحه مقومات الخلافة من العلم والحرية والاستطاعة، وخوله في ملكه وكلفه بأمره ليمتثل لشرعه في كل ما منحه وأعطاه، هل سيكون أمينا راعيا وفق أحكام الله؟ أم سيكفر بربه ويطغى ويتعالى على خلقه، ولا يرد الأمر في ملكه إلى صاحبه؟

وهذه المعاني العظيمة التي ورد بها القرآن توضح الرؤية الصحيحة للعلاقة بين الله والإنسان والعالم، وهو ما حير الفلاسفة وعجزت العقول بمفردها عن تقديم حل مقنع لها؛ فالابتلاء يقتضي وجود مبتلِي ومبتَلى ومبتَلى به، والأمانة تقتضي وجود أمين وأمانه ومالك لها، والاستخلاف يقتضي وجود مستخلِف ومستخلف ووجود مستخلف عليه، فحقيقة الابتلاء وارتباطها بمعنى الأمانة والاستخلاف حقيقة ظاهرة في نصوص القرآن والسنة، وهي تفسر بسهولة ويسر ما يعجز عنه كل مكتشفات العلم الحديث بمعطياته المتعددة. ولو طالعنا نصوص القرآن والسنة لوجدنا أن الله عز وجل يذكرنا بهذا التكريم الذي ناله بنو آدم، وما ترتب عليه من تسخير المخلوقات لهم ومحاسبتهم في الآخرة على هذه النعم السابغة والحجج الدامغة.

قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا الإسراء:٧٠.

وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عز وجل قال: (فيلقى العبْد فيقُول: أي فُل، ألمْ أكْرِمْك وأسوِّدْك وأزوِّجْك وأسخِّرْ لك الخيْل والإِبِل وأذرْك ترْأسُ وترْبعُ؟ فيقُول: بلى، فيقُول: أفظننْت أنّك مُلاقِىّ؟ فيقُول: لا، فيقُول: فإني أنْساك كما نسيتني) 

وهذه النعم التي لا تحصى ولا تعد توجب علينا شكر الله بغير حد، ولازم الشكر كمال الطاعة والخضوع لله عز وجل وتوحيد العبودية له بلا شرك. قال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ الأعراف:١٠. وقال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ، وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ إبراهيم:٣٢/٣٤.

ولما كانت الأنعام مسخرة للإنسان على وجه الابتلاء تكريما له إذ قبل الأمانة ورفضها من رفضها من الخلائق شرع لنا أن نتذكر خالقها ومالكها، وأن نذكره بالعلو والتنزيه عند الاستواء عليها فقال سبحانه: وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ الزخرف:١٢/١٣.

وفي مواضع كثيرة من القرآن يذكر الله عز وجل الإنسان بالعلة من وجود المخلوقات على هذا الحال، وأن ينظر في نعمه التي توجب النظر والتفكر والشكر والتذكر والرجوع إلى الله بدوام الافتقار، ويلاحظ في منهج الآيات أن الله عز وجل يعدد نعمه وفضله على الإنسان بتهيئة الأسباب له ثم يذكر بعدها إلزامه بالتكليف والحساب؛ لأن هذه المخلوقات سخرها له، وطوعها كأمانة بين يديه، استخلفه عليها، وسوف يسأل عنها بالضرورة، والقرآن والسنة فيهما من هذا القبيل الكثير والكثير؛ فتلك المخلوقات مسخرات بأمر الله عز وجل قائمات على خدمة الإنسان، باقيات بمشيئة الله عز وجل لأداء دورها في تحقيق معنى الأمانة والاستخلاف.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©