الحكم الذي ورد في كتاب الله منسوبا إلى الله يرد أيضا في كتاب الله على نوعين: فقد يكون حكما كونيا يتعلق بالتدبير الكوني، ويكون واقعا بمشيئة الله عز وجل لا محالة، ولا يمكن للإنسان مخالفته. وقد يكون حكما شرعيا يتعلق بالتدبير الشرعي الموجه إلى المكلفين من العباد، وهو متوقف على إرادتهم ورغبتهم واختيارهم، فربما خالفوا حكم الله الشرعي وربما وافقوه، وهذا الحكم الشرعي يتوقف على تنفيذ الإنسان له ومسئوليته في اختيار مصيره، وما سيلحق به من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة كنتيجة لاختياره الكفر أو الإيمان.

ومثال الحكم الكوني قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ الرعد:٤١. 

والمعنى أن الله يحكم حكما نافذا خاليا عن المعارض والمناقض الذي يعقب على الشيء بالرد والإبطال، فقد حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالانتكاس والإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره، فهذا الحكم حكم كوني.

ومثال الحكم الديني المتعلق بالتدبير الشرعي قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ المائدة:١.

وقد يسأل سائل عن الفرق بين الحكم الكوني والقضاء الكوني؟ والجواب أن القضاء الكوني أعم من الحكم الكوني، فالقضاء تستصدر منه الأحكام الكونية، والأحكام الكونية خاصة بحالاتها ومفرداتها، وما حكم الله به لكل نوع من أفرادها كما وكيفا، ألا ترى بقياس الأولى أن القاضي من البشر يستصدر أحكاما متنوعة ومتعددة، وأن القضية الواحدة تشمل في طياتها أحكاما مختلفة ومتنوعة، وتلك الأحكام تقع على عدد من المحكومين، سواء فعلوا خيرا أو شرا، أو كانوا ظالمين أو مظلومين.

أما القضاء الشرعي فهو كالحكم الشرعي، فالحكم الشرعي قد يكون واجبا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو محرما. وكذلك القضاء الشرعي، فالله قضى ألا نعبد إلا إياه، وعبادة الله وحده تتمثل في تنفيذ أحكام العبودية، وهي الأحكام الشرعية التكليفية التي تتنوع بين الواجب والمحرم، وبين المندوب والمكروه، أو التخيير في المباح.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©