علمنا أن مراتب القضاء هي العلم والكتابة والمشيئة، وأن هذا القضاء واقع لا محالة، لأنه قضاء كوني حتمي قضاه الله عز وجل لتقع الخلائق على ما حكم في تكوين الأشياء بحكمه الكوني الذي دونه في اللوح المحفوظ، ويسمى هذا القضاء بالقضاء الكوني.

وقد يرد القضاء بمعنى قضاء الله لصالح العباد ليخيرهم في اتباعه، فقضى لمصلحتهم أفضل الطرق، وأكمل السبل لفوزهم ونجاتهم، وهذا القضاء قد يقبله العبد أو يرفضه، لكنه سيحاسب على قبوله أو رفضه في الدنيا والآخرة، ولذلك سمي القضاء الشرعي، أو القضاء التكليفي، أو القضاء الديني، فلا بد أن نميز بين نوعين من القضاء في كتاب الله تعالى، نوع يتعلق بالتدبير الكوني، وآخر يتعلق بالتدبير الشرعي.

ومثال القضاء الكوني قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ سبأ:١٤. أي قضينا على سليمان عليه السلام ساعة الأجل، وهذا أمر كوني لا يتقدم ولا يتأخر عن موعده، قدره الله في علمه، وكتبه في لوحه، وشاء بقدرته أن تنفذ ساعة أجله، فهو قضاء متعلق بتدبير الله الكوني.

ومن القضاء المتعلق بتدبير الله الشرعي الديني الذي قضاه لصالح الإنسان كأفضل منهج يتبعه في الحياة قوله تعالى: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا الإسراء:٢٣. ومعنى قضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه، أي أمركم وشرع لكم، وأحب لكم، وكلفكم ألا تعبدوا إلا إياه، فهذا قضاء شرعي لا كوني قد يخالفه العباد ولا يستجيبون له ، فيعبدون غير الله عز وجل، ولو كان قضاء كونيا لما عبد أحد منهم غير الله تعالى، ولما رأينا أحدا يتأفف في وجه والديه أو ينهرهما، والأمثلة في القرآن والسنة كثيرة لنوعي القضاء.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©