لماذا استخلف الله الإنسان في الأرض؟

لأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي قبل الأمانة حين عرضت على الكائنات، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها كما قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا الأحزاب:٧٢.

وقد صح عن ابن عباس رضي الله  عنه في تفسير الآية أن الله قال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها، قال يا رب: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحملها ( ).

وهذا العرض الذي ورد في آية الأمانة عرض تخييري يحمل اختبارا لهذه المخلوقات من حيث المبدأ، وتخيرها في الموافقة على قبول الأمانة، واستمرار الابتلاء والمسؤولية والحساب، ثم تحمل الثواب والعقاب، حيث سيكلف من يقبلها بمراعاتها على طريقة ما يشرعها لهم.  ومما روي عن السلف في ذلك أن عمر بن عبد العزيز رضي الله  عنه عرض العمل في الإمارة على محمد بن كعب فأبى، فقال له عمر: أتعصي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الله تعالى حين عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، هل كان ذلك منها معصية؟ قال: لا، فتركه) ( ).

والعقلاء عن الله  عز وجل   يفهمون من آية الأمانة أن المخلوقات التي خيرت في حمل الأمانة أو رفضها وهي السماوات والأرض والجبال والإنسان كانت على درجة واحدة في إمكانية القبول أو الرفض، فلهن إرادة حرة، ولولا أن لهن اختيارا حرا ما عرض عليهن قبول الأمانة أو رفضها، ولما عبر عن رأيهن بقوله عنهن: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا   الأحزاب:٧٢.

فالإباء والرفض والإشفاق يقابل القبول والرغبة والموافقة، وهذا دليل على أن الله عز وجل   خيرهن دون جبر منه عليهن في قولهن أو فعلهن.

كما دلت آية الأمانة أن تلك المخلوقات التي عرضت عليها الأمانة لهن عقل وعلم، ويتصفن بإدراك وفهم، لأنه لا معنى لتخييرهن في أمر لا يعرفن عنه شيئا؛ فهذا نوع من العبث لا يقبله العاقل على نفسه فضلا عن ربه.

وقد دلت آية الأمانة أيضا على أن الإنسان له وجود غيبي سابق عند بداية النشأة والتكوين، وهذا الفهم تؤيده آيات كثيرة وأحاديث صحيحة تدل على خلق الله لجميع الذرية وإيجاد أفراد النوعية الإنسانية لفترة وقتية معينة أشهدهم فيها على أنفسهم وعلى قبولهم بما يتوجب على أبيهم من الحقوق والواجبات وإظهار الحكمة في تدبير أمور المخلوقات.

وبهذا علمنا لماذا استخلف الله الإنسان في الأرض على وجه الخصوص ولم يستخلف غيره؟ أو لماذا اختار الإنسان بالذات ليخوله في الأرض ويكرمه بهذه المنزلة الرفيعة؟ وهل الإنسان في ذلك التميز مجبور مقهور؟ أم أنه مخير مسئول وله في تميزه دور معقول؟ وأنه لا يحق لإنسان أن يحتج على ربه، أو يحاول التملص والتخلص من ذنبه، بأنه لم يكن يرغب في الأساس أن يكون مستخلفا في الأرض كسائر الناس؟

اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "لماذا استخلف الله الإنسان في الأرض؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات