ما حقيقة الصبر؟ وما منزلته في عبوديات القلب؟

الصبر من أعمال القلوب الواجبة، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها، وهو خلق فاضل من أخلاقها، يمنع من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وقد ورد في القرآن في أكثر من تسعين موضعا، وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر.


والصبر على المصائب واجب باتفاق أئمة الدين، وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله، فالأولان صبر على ما يتعلق بالكسب، والثالث صبر على ما لا كسب للعبد فيه.


 وقد يصنف الصبر إلى ثلاثة أنواع باعتبار آخر، وهي صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله، فالصبر بالله هو أول الاستعانة به، فيرى الصابر أن الله هو الذي يصبره، وأن صبره قائم بربه لا بنفسه، كما قال تعالى: ﭽﯯ ﯰ ﯱ ﯲ  ﯳﭼ  النحل:١٢٧. يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر.


وأما الصبر لله فهو أن يكون الباعث له على الصبر الإخلاص لله ومحبته، وإرادة وجهه والتقرب إليه، لا لإظهار قوة النفس، وطلب الثناء من الخلق، وغير ذلك من أعراض الدنيا. وأما الصبر مع الله فهو ملازمة العبد لشرع الله وفعل كل ما يحبه ويرضاه في أي زمان أو مكان، لا يفارق شريعة الله وأوامرها، فهذا معنى كونه صابرا مع الله، أي قد جعل نفسه وقفا على أوامره، وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها، وهو صبر الصديقين.


ولما كان الصبر من أعمال القلوب الواجبة، وهي عبودية يجب صرفها لله وحده، فإنه قد وردت الدعوة إليه في القرآن بأنواع متعددة وأساليب مختلفة، كالأمر به والنهي عن ضده، والثناء على أهله، واستحقاق الصابرين محبة الله لهم، ومعيته لهم، وهي معية خاصة تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم، ومجازاتهم في الجنة بغير حساب، وبأحسن أعمالهم، ووعد الله الصابرين بأن الصبر يورثهم درجة الإمامة؛ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ومن مكانة الصبر أن الله قرنه باليقين، وبالإيمان، وبالتقوى، وبالتوكل، وبالشكر، وبالعمل الصالح والرحمة؛ ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له.


وقد أمر النبي صل الله عليه وسلم الأنصار  بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض، وأمر بالصبر عند ملاقاة العدو، وأمر بالصبر عند المصيبة، وأخبر النبي صل الله عليه وسلم أن الصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى، وأمر المصاب بالصبر بالاحتساب، وأن ذلك يخفف مصيبته ويوفر أجره، وأخبر أن الصبر خير كله.


كتاب سهل - الرضواني

اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "ما حقيقة الصبر؟ وما منزلته في عبوديات القلب؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات