قال الله تعالى: ( فسَيَكْفِيكَهم اللهُ وهوَ السَّمِيعُ العلِيم ) [البقرة:137] .

والعليم سبحانه هو الذي عَلِم ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لو كان كيف يكون، أحاط عِلمه بجميع الأشياء ظاهرها وباطِنها، دقِيقها وجليلها، فما من صغيرة وكبيرة في خلقه إلا وتعلقت بعلمه، فعلمه بالشيء قبل كونه هو سر الله في خلقه، ضن به على عباده، لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهذا علم التقدير، ومفتاح ما سيصير إلى يوم الفصل عند تقرير المصير، من هم أهل الجنة ؟ ومن هم أهل السعير ؟ فكل أمور الغيب قدرها سبحانه في الأزل، ومفتاحها عنده وحده ولم يزل .

وكذلك علمه بالشيء وهو في اللوح المحفوظ بعد كتابته، وقبل إنفاذ أمره ومشيئته، فالله تعالى كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، ثم علمه سبحانه بالشيء حال كونه وتنفيذه، ووقت خلقه وتصنيعه، فهو الذي يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، وهو الذي يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، وما من صغيرة ولا كبيرة إلا تولاها من فوق عرشه .

ثم علمه سبحانه بالشيء بعد كونه وتخليقه وإحاطته بالفعل بعد كسبه وتحقيقه، فالله سبحانه وتعالي عالم بما كان وما هو كائن وما سيكون وما لو كان كيف يكون على ما اقتضته حكمته البالغة .

ومن الدعاء باسم الله العليم قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ( رَبنا تقبَّل مِنا إنك أنت السَّمِيعُ العليم ) [البقرة:127]، وقوله: ( وإمَّا يَنزَغنك مِن الشيْطانِ نزْغ فاستعِذ بالله إنه سَمِيعٌ عليمٌ ) [الأعراف:200]، وقد صح من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (أعُوذ بالله السَّمِيعِ العليمِ مِن الشيْطانِ الرَّجِيمِ مِن هَمْزه ونفخِه ونفثه) ( ).

ومن دعاء النبي صل الله عليه وسلم: (اللهمَّ رَبَّ جِبْرَائِيل ومِيكَائِيل وإسرَافِيل، فاطِرَ السَّمَاواتِ والأرض عالم الغيْب والشهَادةِ أنت تحْكم بين عِبَادِكَ فِيمَا كَانوا فِيه يَخْتلفون، اهدِنِي لما اختلف فِيه مِن الحق بإذنك إنك تهدِي مَن تشاءُ إلى صِرَاطٍ مستقيم) ( ) .

ومن آثار توحيد المسلم لله سبحانه وتعالي في اسمه العليم تقديمه هدي الله على ما يراه باجتهاده وهواه، وتقديم حكمه على حكم من سواه؛ لأن العاقل يعلم أنه من الأمور البديهية أن القوانين الوضعية من قبل المشرعين في المجالس التشريعية مهما بلغت في كمالها فلن تصل إلى كمال المنهج في الشريعة الإسلامية؛ فشتان بين علم البشر ومقارنته بالعليم سبحانه وتعالى؛ فالإنسان مهما بلغ علمه أو علا شأنه في سن القوانين عندما يضع تشريعا أو تعديلا لا يراعي المصلحة في الدنيا على وجه الكمال، ولا ينظر بأي حال من الأحوال إلى المصير عند البعث والمآل، فلا يراعي عند وضع قوانينه قضية النعيم الأبدي أو العذاب الحتمي، ومن ثم تخرج أحكامه قاصرة لقصور مدركاته العلمية والعقلية، أما الأحكام التكليفية التي حملتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فهي صادرة عن العليم المتوحد في الأسماء والصفات الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فمن توحيد الله في اسمه العليم أن يتخير العبد منهج الله منهجا له في الحياة؛ هذا فضلا عن كون القوانين المخالفة لشرع الله هي حكم بغير ما أنزل الله .

ومن آثار توحيد الله في اسمه العليم أن يتواضع العالم لربه؛ فيتصاغر في نفسه مقدار علمه توحيدا لله في علمه، وأنه مهما بلغ علمه ففوق كل ذي علم عليم، ومن ثم يحرص على دوام التذلل له والافتقار، ويبلغ العلم ولا يجحده عند السؤال، ويزداد بعلمه قربة لربه لأن التقوى مفتاح العلم بالله كما قال: ( واتقوا اللهَ ويُعلمكم الله والله بكل شيْءٍ عليمٌ ) [البقرة:282] .

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©