طريقة الأنبياء وأتباعهم اتباع التدبير الشرعي والإيمان بالتدبير الكوني، فيعملون بشرع الله عز وجل ويؤمنون بقدر الله، يعملون بالحكم الشرعي والقضاء الشرعي والإرادة الشرعية، ويؤمنون بالحكم الكوني والقضاء الكوني والإرادة الكونية، أما أعداء الله فيعصون أمره، ويحتجون بقضائه وقدره على معصيتهم، فلا ينفعهم وقوفهم مع المراد الكوني، ولا يكون ذلك عذرا لهم عند الله، إذ لو كان العذر مقبولا بسبب الاحتجاج بإرادة الله الكونية لم يذم الله أحدا من خلقه على معصيته، ولم يعاقبه على وزره، ولم يكن في خلقه عاص ولا كافر، ومن زعم ذلك فقد كفر بالله وكتبه كلها وجميع رسله.

رأى أحد الجبرية رجلا يزني بامرأته، فحاول أن يمسك به فهرب منه، فأقبل يضرب امرأته وهي تقول: القضاء والقدر، القضاء والقدر، فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بالقضاء والقدر؟ فقالت: هل تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباس؟ فتنبه ورمى بالسوط من يده واعتذر إليها وقال: لولاك لضللت. وحدث هذا لرجل آخر، رأى امرأته تزني، فقال لها: ما هذا الذي صنعت؟ فقالت: هذا اختيار الله وقضاؤه وقدره، فقال: الخيرة فيما اختاره الله وقضاه، فلقبه الناس بالخيرة فيما اختاره الله، وكان إذا ناده أحد بذلك غضب..
وقال بعض الجبرية المحتجين على المعاصي بالإرادة الكونية: لي خمس بنات، لا أخاف على إفسادهن إلا من الله وتدبيره. ومثل هذه الأقوال والأفعال من قبيل القبائح العقلية والفضائح التي لا تقع إلا من السفهاء، فليس لأحد أن يحتج على فعل الذنوب والمعاصي بقدر الله، بل عليه أن لا يفعلها، وإذا فعلها فعليه أن يتوب منها.

وكذلك من نفى إرادة الله الكونية من المعتزلة القدرية، ولم يؤمن إلا بالمحاسبة على مخالفة الإرادة الشرعية، سوف يجعل إرادة العاصي أقوى من إرادة الله، وسوف يجعل جميع الكافرين أقوى من رب العالمين، وهذا شرك في الربوبية تعالى الله عن قولهم.
جاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد أحد المؤسسين لمذهب المعتزلة الباطل الذين لا يفرقون بين الإرادة الكونية والشرعية وقال له: ناقتي سرقت فادع الله لي أن يردها على، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت، اللهم فردها عليه. فقال له الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك الخبيث. فقال عمرو بن عبيد: ولم؟ قال الأعرابي: إن كان السارق سرقها، ولم يرد الله سرقتها، فأخشى أن يريد الله ردها فيأبى السارق ولا يردها. فعلم الأعرابي أن مذهب المعتزلة باطل لأنهم يجعلون إرادة العاصي أقوى من إرادة الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©