الثلاثاء، 28 مايو 2019

ذكر ابن القيم أن السابقين من العابدين تكلموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلاما مفصلا جامعا مبينا مطلقا من غير ترتيب ولا حصر للمقامات بعدد معلوم، فإنهم كانوا أجل من هذا، وهمهم أعلى وأشرف، إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة وطهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح المعاملة، ولهذا كان كلامهم قليل فيه البركة، وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة.

والأولى في توحيد العبودية أن نذكر منازل العبودية الواردة في القرآن والسنة، ونشير إلى معرفة حدودها ومراتبها، إذ معرفة ذلك من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله صل الله عليه وسلم، وقد وصف الله تعالى من لم يعرفها بالجهل والنفاق فقال تعالى: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ التوبة:٩٧. فبمعرفة حدودها دراية، والقيام بها رعاية، يستكمل العبد الإيمان ويكون من أهل إياك نعبد وإياك نستعين .

ولما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع والعمل الصالح، وهما الهدى ودين الحق، وبتكميله لغيره في هذين الأمرين كما قال تعالى: وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ العصر:١/٣.

لقد أقسم سبحانه أن كل أحد خاسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وكمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه، فالحق هو الإيمان والعمل، ولا يتمان إلا بالصبر عليهما، والتواصي بهما، ولما كان الأمر كذلك كان حريا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره، بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية، ويخلص نفسه من الخسران المبين، وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن، وتفهمه وتدبره، واستخراج كنوزه، وصرف العناية إليه، والعكوف بالهمة عليه، فإنه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد، والموصل لهم إلى سبيل الرشاد، فالحقيقة والطريقة والأذواق والمواجيد الصحيحة كلها لا تقتبس إلا من مشكاته، ولا تستثمر إلا من شجراته 

وذكر ابن القيم رحمه الله أن الناس انقسموا بحسب معرفة الحق والعمل به، إلى ثلاثة أقسام؛ لأن العبد إما أن يكون عالما بالحق أو جاهلا به، والعالم بالحق إما أن يكون عاملا بموجبه أو مخالفا له، فهذه أقسام المكلفين، لا يخرجون عنها البتة، فالعالم بالحق العامل به هو المنعم عليه، وهو الذي زكى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو المفلح كما قال: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا الشمس:٩.

والعالم به المتبع هواه هو المغضوب عليه، والجاهل بالحق هو الضال، والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكل منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©