الاثنين، 27 مايو 2019

شرك الربوبية سببه التشبه بالخالق، فكل مخلوق سوى الله إنما هو عبد من عباده، إما باضطرار أو باختيار، فالعبودية صفة لازمة لسائر المخلوقات، وهي عبودية حاجة وافتقار تقابل وصف الغنى والكمال، ولذلك فإن توحيد الربوبية قائم على أن وصف الغنى والكمال وصف ذاتي انفرد به رب العزة والجلال، وأن وصف الحاجة والافتقار، وصف ذاتي لكل مخلوق على وجه الاضطرار، ومعلوم أن فقر الخلائق إلى الله أمر ذاتي لهم، لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيا حميدا، وكونه محمودا على عطائه الدائم وصف ذاتي له، فغناه وحمده ثابتان له لذاته بحكم معاني الربوبية، وفقر من سواه إليه فقر ذاتي ثابت لذاته بحكم معاني العبودية، فحاجة العبد إلى ربه أمر ذاتي يمثل حقيقة الفطرة.

ومن ثم فإن العبد إذا تعاظم وأراد أن يخرج عن وصف الحاجة والافتقار، فإنه لا محالة يطلب لذاته الاستغناء والعلو والاستكبار، فيتشبه برب العزة والجلال في وصف من أوصاف الكمال التي انفرد بها، فيقع في الطغيان ويظلم الآخرين. وحقيقة الطاغوت تجاوز الحد في الخروج من الفقر الذاتي إلى الغنى الذاتي باستعلاء الإنسان، والاستكبار والظلم والطغيان، ولذلك كان الطاغوت هو الشيطان وكل ما عبد من دون الله عز وجل. وقد أصبح الشيطان رأس الطواغيت والقائد الأعلى للمشركين في الربوبية، ومؤسس سبل الطغيان لكل ملك ظالم من بني الإنسان، وشرك الربوبية الذي وقع فيه فرعون هو الطغيان الذي يخرج العبد عن وصفه الذاتي وهو وصف العبودية، والطغيان مبني على الاستكبار وطلب العلو الذي ليس إلا لله وحده فهو شرك في الربوبية وهو آفة الآفات التي تنزل بالأقوام والشعوب فتدمر كيانها، وتهلك أهلها، وتأتي على الأخضر واليابس فيها، وحين يزداد الطغيان بين الناس ويستشري الظلم، ثم يركن الناس إلى الطغاة ويستمرئون الخضوع والاستكانة لمظالمهم وطغيانهم يعمّهم الله بعذاب من عنده، ويحاسبهم على ذلك محاسبته للطغاة أنفسهم.

ولقد كان فرعون مثلا للطاغية المتجبر، وكان قومه صورة للأقوام التي خضعت لعبوديته، ووصل الأمر بفرعون إلى ادعاء الإلوهية والحاكمية المطلقة في ملكه، والاستخفاف بعقول الناس والإعراض عن كل الآيات التي جاءته من الله حتى أهلكه الله وقومه، وفرعون مثلٌ أعلى لكلّ طاغية يتجاوز الحدّ في الظلم والتجبّر والاستبداد والمعصية والاستخفاف بعقول الناس، وإرادتهم ومصالحهم، وكلما أنس منهم السكوت على ظلمه والخضوع لبغيه وعدوانه، ازداد صلفا وتجبرا، وتمردا حتى يصل إلى التألُّه، وادعاء الإرادة المطلقة في مصائر الناس من حوله، وطغيان فرعون ظلم عظيم لا يعبر فقط عن قصة ماضية، ولكنه حقيقة باقية في كل ظالم مهما اختلفت الألوان وتغيرت العناوين والشعارات؛ وذلك لأن الله عز وجل لم يقص قصص الطغاة على عباده المؤمنين إلا ليتعظوا ويعتبروا ويتدبّروا أمرهم؛ فلا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم.

وكل طاغية وقع في شرك الربوبية تجده يحكم بما يراه ويزعم كما زعم فرعون أنه لا يري قومه إلا ما يرى، ولا يهديهم إلا سبيل الرشاد، بل يجعلُ من نفسه معبودا من دون الله عز وجل يتحكم في الناس تحكما بالغا، ويأمرهم أن يطيعوه على أي وجه، ويشرع لهم ما يراه متّفقا مع أهوائه ومصلحته، ويدعي أنه أراد الخير لهم والبركة عليهم، وأنه يريد لهم الإصلاح وغيره يريد الفساد. قال تعالى: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ غافر:٢٩.

هذا الطاغية الذي وقع في شرك الربوبية صور نفسه لقومه في صورة الناصح المشفق عليهم من تبديل دينهم وإظهار الفساد بينهم، لأنه غني بذاته عنهم وهو فقط حريص عليهم لا يحتاج إليهم في شيء، وهنا شرك الربوبية في خروجه عن وصف العبودية وادعاء أوصاف الغنى الذاتية ولذلك قال تعالى: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ الزخرف:٥١.

والفساد عند هؤلاء الطواغيت هو التوحيد، وشرك الربوبية عندهم هو الصلاح والفلاح، ولذلك كان باعث الصلاح عند الطغاة هو محاربة أولياء الله وعباده الموحدين، فرغب فرعون في قتل المؤمنين والمرسلين، فأراد أن يقتل موسى عليه السلام وأن يقتل أبناء الذين آمنوا معه ويستحيي نساءهم. قال تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ، وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ غافر:٢٦/٢٧.

وتلك الطريقة الفرعونية في شرك الربوبية هي التي زينها إبليس لكل من سار على دربه من تلاميذ مدرسته من بعده ، حيث يزعمون أنهم يريدون أن يحرروا الناس من ظلم التخلف والرجعية الواقع في الشرائع السماوية، وأن يخرجوهم إلى عالم من الحرية لم يكونوا يحلمون به.

من أمثلة الشرك في الربوبية المبني على التشبه بالخالق شرك الغلاة من أئمة الصوفية وهم القائلون بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود كالحلاج وابن الفارض وتلاميذ مدرسته وابن عربي وأتباعه، جميعهم زعم أن الذات البشرية أخذت خصائص الذات الإلهية حين الاتحاد أو التجلي والتعيين، قال ابن الفارض : فوصفي إذا لم تدع باثنين وصفها. وهيئتها إذ واحد نحن هيئتي.. فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن.. منادي أجابت من دعاني ولبت

زعم ابن الفارض أن وصفه هو وصف ربه، لأنه بذاته هو الرب، فلا فرق ولا سوى، بل اتحدت كل ذات في الأخرى، فإن دُعي الرب أجاب ابن الفارض لأنه هو الرب، وإن دُعي ابن الفارض أجاب الرب الذي هو ابن الفارض! بل تجد التكبّر على الرب حتى في الاتحاد في قوله: أجابت من دعاني ولبت، ويريد بزندقته وشركه أن يقول: إن الرب حين يُدعى يُجيب عنه ابن الفارض، أمّا إن دُعي ابن الفارض أجاب الرب ولبّى، فتشعر أن ابن الفارض هو الأصل، وأن ربه هو الفرع؟

وممن وقعوا في شرك الربوبية والتشبه بالخالق في زعمه التلبس بأوصاف الإلوهية بناء على فكره في وحدة الوجود عبد الكريم الجيلي صاحب كتاب الإنسان الكامل، فقد زعم أنه لم يعد بينه وبين الله أي فارق، ولا بينه وبين كل المخلوقات فقال فيما أورده في كتابه الإنسان الكامل: لي الملك في الدارين لم أر فيهما سواي فأرجو فضله أو فأخشاه.. وقد حزت أنواع الكمال جمال جلال الكل ما أنا إلا هو.. فإني ذاك الكل والكل مشهدي أنا المتجلي في حقيقته لا هو.. وإني رب للأنام وسيد جميع الورى اسم وذاتي مسماه

ومن الشرك في الربوبية ما زعمه الميرزا حسين علي الملقب بالبهاء مؤسس فرقة البهائية المارقة، حيث ادعى النبوة، ولم يكتف بها بل تجاوزها إلى ادعاء الإلوهية، وأنه القيوم الذي سيبقى ويخلد، وأنه روح الله، وأنه هو من بعث الأنبياء والرسل، وأوحى بالأديان كلها. وأقواله في تقرير إلوهيته كثيرة جدا ملأ بها كتابه الذي سماه الأقدس كقوله: (قل: لا يرى في هيكلي إلا هيكل الله، ولا في جمالي إلا جماله، ولا في كينونتي إلا كينونته، ولا في ذاتي إلا ذاته، قل: لم يكن في نفسي إلا الحق ولا يرى في ذاتي إلا الله)

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©