الثلاثاء، 28 مايو 2019


قرن الله العبادة بالاستعانة، وجعلهما محور التوحيد لكل من أراد أن يتبع النهج الأسمى في السلوك والعبادة، وقد ذكر ابن القيم أن تقديم العبادة على الاستعانة لعلل عظيمة من أبرزها:
1- أن تقديم العبادة على الاستعانة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة هي الغاية التي خلق العباد من أجلها، والاستعانة وسيلة إلى تحصيلها.
2- أن العبادة في إياك نعبد متعلقة بإلوهية الله واسمه الله، والاستعانة في إياك نستعين متعلقة بربوبيته واسمه الرب، فقدم إياك نعبد على إياك نستعين كما قدم اسم الله على الرب لأن توحيد الإلوهية متضمن لتوحيد الربوبية.
3- أن العبادة في قول العبد: إياك نعبد، قسم الرب، فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على الله تعالى لكونه أولى به، وإياك نستعين قسم العبد، فكان من الشطر الذي له، وهو اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة.
4- أن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله عبودية تامة مستعين به، ولا ينعكس؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات، قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم، ولهذا كانت قسم الرب، ولأن الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس؛ ولأن الاستعانة طلب منه والعبادة طلب له، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص.
5- أن العبادة حق الله الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة، وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته، ولأن العبادة شكر نعمته عليك، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعله بك، وتوفيقه لك، فإذا التزمت عبوديته ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم. والعبودية محفوفة بإعانتين إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على شكرها.
6- أن العبادة في قوله إياك نعبد حق الله، وهي طلب محبته ورضاه، وإياك نستعين طلب فعله وإعانته، وهو متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي، أما المتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم، فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته؛ فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم إياك نعبد على إياك نستعين.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©