الأربعاء، 29 مايو 2019

المرحلة الثانية هي التي تمت بعد أن خلق الله عز وجل آدم عليه السلام في آخر حقبة زمنية سميت يوم الجمعة، ثم عرض عليه الأمانة فقبلها في حين رفضتها السماوات والأرض والجبال، ثم خير الله عز وجل من رفضها في قضية التسخير لمن قبلها، فقالتا: أتينا طائعين، فهيأها الله عز وجل برغبتها، وسخرها عن محبتها، وأعد الكون على إثر موافقتها لاستخلاف الإنسان وابتلائه وتخويله فيها.

وقد بدأت هذه المرحلة الثانية بتهيئة السماوات، وترتيب الكواكب على مساراتها في السماء الدنيا، وظهور المجموعة الشمسية التي تحدد فيها الزمان باثني عشر شهرا قمريا، ثم دحيت الأرض بعد ذلك، وثبتت الجبال في الأرض بطبقاتها، لتسكن وتستقر في وضع يناسب وجود الإنسان، ويحقق له معاني الاستخلاف والابتلاء، وتخويله بحرية في اختيار الإسلام، أو المنهج الشرعي كنظام يسلكه في أدائه للأمانة العظمى التي حملها.

وأغلب المفسرين يتفقون إجمالا في ترتيب الأحداث المتعلقة بنشأة الكون أنها تمت على مرحلتين: الأولى بدأت بخلق الأرض ثم السماء، والثانية بدأت بتهيئة السماء ثم دحو الأرض من أجل الإنسان. وقد ذكر ابن كثير أن الله عز وجل أيبس من الماء الذي كان عرشه عليه أرضا، فثار منه دخان، فارتفع وسما، فجعله سماء؛ فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد إلى السماء فسواهن سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وكانت عند خلقها غير مدحوة. وسوف نلاحظ أن أغلب النصوص القرآنية والنبوية التي فيها البدء بخلق الأرض ثم السماء تتعلق بالمرحلة الأولى، وتلك التي فيها البدء بتهيئة السماء ثم الأرض تتعلق في أغلبها بالمرحلة الثانية.

قال تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . فصلت:٩/١٢.

وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أخذ رسُول اللهِ عز وجل بِيدِي فقال: خلق اللهُ عز وجل التُّرْبة يوْم السّبْتِ وخلق فِيها الجِبال يوْم الأحدِ، وخلق الشّجر يوْم الاثنيْنِ، وخلق المكْرُوه يوْم الثلاثاءِ، وخلق النُّور يوْم الأرْبِعاءِ، وبث فِيها الدّوابّ يوْم الخمِيسِ، وخلق آدم عليْهِ عليه السلام بعْد العصْرِ مِنْ يوْمِ الجُمُعةِ، فِي آخِرِ الخلقِ، فِي آخِرِ ساعةٍ مِنْ ساعاتِ الجُمُعةِ، فِيما بيْن العصْرِ إلى الليْل) 

وقد قدرت الدراسات العلمية البحتة أن عمر الكون على أقل تقدير عشرون مليار سنة بحساباتنا، ولا غرابة في ذلك لاختلاف المقاييس بين دوران الأرض حول الشمس والزمان الناتج عنه من جهة، ودوران الشمس حول مركز مجرتنا والزمان الناتج عنه من جهة أخرى، إذ يقدر العلماء المتخصصون في الكونيات أن السنة الكونية اللازمة لدورة الشمس حول مركز المجرة تعدل مائتين وخمسين مليون سنة في حساب دورة الأرض حول الشمس، ولا شك أن العدد سيتضاعف ملايين المرات عند تصور الزمان الناشئ عن دوران المجرة الواحدة حول مركزها بالنسبة لدورة الشمس حول مركز المجرة.

ومن هنا نعلم أن مجموع المجرات عند نشأتها وتكوينها، ثم انفصالها عن بعضها البعض ودورانها حول مركزها الذي لا يعلمه إلا الله، قد لا يستوعب العقل البشري حقيقة ما جرى في المدة الزمنية أو الكيفية المكانية إلا بوصفها ستة أيام أو كما سماها النبي عز وجل بما يسمى به أيام الأسبوع، فلا نبالغ إذا إن قلنا إن اللحظة عند النشأة في الأيام الستة تعدل مقدارا زمنيا غيبيا يصعب تصوره في حساباتنا الأرضية.

وقد خلق الله الملائكة والجن قبل يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم، أي أنهم خلقوا في المرحلة الأولى، فالملائكة خلقوا من نور، والجن أبناء الجان خلقوا من النار، وكانت مادتهما قد خلقت من قبل وهي النور والنار، كما ورد ذلك عند مسلم من حديث عائشة أن النبي عز وجل قال: (خُلقتْ الملائِكةُ مِنْ نُورٍ، وخُلق الجانُّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ، وخُلق آدمُ مِمّا وُصِف لكُمْ)

وقال تعالى: وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ . الحجر:٢٧/٢٨.

والشاهد ظاهر في كون الملائكة أسبق من الإنسان في الوجود، وآدم عليه السلام خلق في حقبة زمنية سميت يوم الجمعة. كما أن الله لم يبين لنا في شأن الجن والملائكة تفصيل بداية خلقهم، أو كيف تحققت حكمته في تدبير أمورهم؟ غير أن ما ثبت في النقل الصحيح أن الجن خلقوا للعبادة من خلال معنى الابتلاء، والملائكة خلقوا أيضا للعبادة وكانت في السماء. وقد أخبرنا الله عز وجل أنه جعل إبليس بين الملائكة من حيث الرفعة والمكانة، غير أنه مخلوق من المادة التي خلق منها الجن، وجمهور العلماء على أن الجان أو إبليس هو أبو الجن، كما أن الله عز وجل لم يبين لنا تفاصيل الأحداث التي تم على إثرها وجوده بين الملائكة، فوجب أن نقف على ما أخبر، ولا نخوض في ذلك بالظن.

وبعد انتهاء المرحة الأولى من الكون في ستة أيام، أو ست حقب زمنية الله أعلم عز وجل بمقدارها، استوى الرحمن على عرشه، وهو ما عبر عنه اليهود في التوراة المحرفة بأنه استراح في اليوم السابع. وهذا من الأدلة القاطعة على تحريف التوراة، لأن الأمر ليس كذلك، ولا يمكن أن تكون كلمة الاستراحة في الألواح التي كتبها الله بيده لموسى عليه السلام، فالقرآن كشف بحمد الله خطأ الأحبار وتحريفهم للكلم عن مواضعه.

وكذلك خلق الله آدم عليه السلام كأول إنسان من تراب اختلط بالماء فصار طينا، ثم جف الطيف فأصبح صلصالا ثم حمأ مسنونا، ثم سواه الله على هيئة قويمة وصورة سليمة، ثم نفخ فيه من روحه وصار إنسانا بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، وبعد وجود آدم عليه السلام ظهرت حكمة الله عز وجل في ابتلائه بجميع المخلوقات من حوله فكانت المخلوقات منه على نوعين:
النوع الأول: ابتلى فيه الإنسان مع السماوات والأرض والجبال في قضية عرض الأمانة، وقد تقدم ذكرها وما ترتب عليها.
النوع الثاني: ابتلاه مع من سبقه في الوجود ممن لم تعرض عليهم الأمانة وهم الملائكة والجن، وكان ذلك إظهارا للعدل الإلهي في سائر الخلق، وقيام السماوات والأرض على الحق والميزان.
وبعد ذلك جعل الله الكون في مرحلته الثانية بوضع مخصوص من أجل استخلاف الإنسان وبقائه على الأرض إلى يوم القيامة، فقد فصل الله عز وجل السماء عن الأرض من وضع الرتق والدخان كما قال: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فصلت:١٢. بناها سبعا طباقا، رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، فجعل فيها الشمس والقمر تحديدا لنوعية الزمن الجديد الذي سيتعاقب على الإنسان والذي عبر عنه القرآن حين بدأت المرحلة الثانية بخلق السماوات ثم خلق الأرض بقوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ التوبة:٣٦. ثم ثنى الله بالأرض فبسطها ودحاها ومدها، وأخرج ما كان مودعا فيها من أقوات وخيرات كما قال: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا . النازعات:٣٠/٣٢.

وكل ذلك لتستقر الأرض للإنسان متاعا له على وجه الابتلاء والامتحان، ومهما كان الاجتهاد في الجمع بين النصوص إلا أنه من المؤكد أن الكون أعد بعناية خاصة من أجل الإنسان؛ فهو المستفيد الوحيد من الأرض وما عليها بنص القرآن، وكل ما فيها خلق لأجله هو، ومن أجل استخلافه الذي كرمه الله به وميزه عن غيره.
كتاب سهل - الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©