ما المقصود بالهاتفين كثاني ركن في اختيارات الإنسان؟

علمنا أن الركن الأول في منطقة حديث النفس الكائنة في القلب أن الله سبحانه وتعالي جعل لبعث الخواطر نازعين متقابلين ومتضادين كركنين نفسيين داخليين أو ذاتيين، أحدهما يدعو إلى التقوى والإيمان، والآخر يدعو إلى الفجور والعصيان، وهذا من عدل الله وحكمته في ابتلاء الإنسان.

وكان من عدل الله أيضا أنه أوجد الركن الثاني لبعث الخواطر في قلب الإنسان كثاني ركن من مقومات الاختيار وهما الهاتفان، والمقصود بهما وجود ركنين قرينين متقابلين ومتضادين ليس لأحدهما جبر أو غلبة على إرادة الإنسان، الأول يسمى الملك القرين أو هاتف الخير أو داعي الإيمان، والثاني يسمى الشيطان القرين أو هاتف الشر أو داعي الفجور والعصيان، وكلا الهاتفين والنازعين يسهمان كركنين أساسيين في تشكيل الخواطر في القلب خيرها وشرها.

وأساس وجود القرينين أن الله جعل ابتلاء الإنسان بالشيطان من كمال حجته وبيان حكمته لإظهار آثار عدله في أعدائه، وفضله في أوليائه، فالشيطان لما أبى أن يكون مع الساجدين، وأن يدخل في جملة المقرين بالخلافة العظمى التي كرم الله سبحانه وتعالي بها الإنسان، تملكه العلو والاستكبار، وأظهر الاعتراض والاستنكار، وشكك في حكمة رب العزة والجلال، حسدا وحقدا على آدم وذريته، كيف فضلهم الله بمنزلة أعلى من مكانته؟ فلما لعنه الله وطرده من رحمته، وأيقن اللعين بهلاكه وشقْوته، وأنه لا محالة ممنوع من جنته، أراد أن يحقر من شأن الإنسان حقدا وانتقاما، وأن يشكك في حكمة الرحمن عنادا منه وإلزاما بأن الإنسان لا يستحق هذه المنزلة، وأن إبليس والملائكة كانوا هم الأنسب لتلك المسألة، فطلب البقاء والإحياء إلى يوم القيامة، يوسوس للإنسان بالظلم والطغيان، ويدعوه إلى الكفر والفسوق والعصيان، ليثبت صدق كلامِه وحقارة الإنسان وعدم ملائمته لدوره في خلافة الأرض على وجه الابتلاء. قال الله تعالى: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا    الإسراء:٦٢.

وقد كان من عدل الله في إبليس أنه أنظره وأمهله، وجعله ابتلاء للإنسان الذي استخلفه وخوله، وأن يرفع من شأن الإنسان لو تخطى هذه المشكلة فيزداد تكريما على تكريمه السابق حيث استخلفه في الأرض وخوله فيها، ومن رضي منهم بالشيطان بديلا عن الرحمن فبئس للظالمين بدلا.

وقد رد الله كيد الشيطان إلى الوسواس، فليس له سلطان أو جبر على إرادة الإنسان. وأقر الشيطان أن سلطانه على من اتبعه، وليس على أولياء الله وعباده المخلصين، ومعلوم أن الشيطان بوسواسه وخواطره سيقوي نازع الهوى والشر في الإنسان، وكلاهما سيتفقان في دعوته إلى الكفر والفسوق والعصيان، وعندها ستكون دواعي الشر في الإنسان أقوى من نازع الخير فيه، وسيجد العاصي تبريرا لعدم مسئوليته عن فعله، وأنه لا يستحق عليه العذاب، لأن نازع الخير فيه كان وحيدا، وكانت دواعي الشر في الإنسان ركنان، أحدهما نازع الشر والآخر الشيطان، فهي بذلك أقوى في الإنسان من باعث التقوى والإيمان وداعي الخير في الإنسان.

ومن هنا ظهرت في الإنسان حكمة الله، وبلغ كمال العدل في الأشياء منتهاه، فجعل الله سبحانه وتعالي تركيب الإنسان على مستوى الكمال، ظاهرا وباطنا على معنى الاعتدال، فكان من عدل الله وحكمته أنه كلف بكل إنسان ملكا قرينا، وأمره أن يلازمه ملازمة الشيطان للإنسان، لا يفارقه إلا إذا فارق دار الامتحان، وأمره أيضا أن يدعوه إلى الخير ويحضه عليه، كما أن الشيطان يدعوه إلى الشر ويحضه عليه، فيعتدل بذلك مقدار الدواعي في الإنسان، وتستوي الكفتان في الميزان، ولا يكون لأحد من أهل الجبر حجة على الله يوم القيامة في تبريره العصيان، ومن ثم فإن الله سبحانه وتعالي كما هدى الإنسان النجدين، وركب فيه نازعين نفسيين متقابلين ومتضادين، وكّل أيضا بالإنسان قرينين هاتفين، مرغبين بلمتين، ليس لأحدهما سلطان أو جبر على إرادة الإنسان، فبات مقدرا لكل منا بحكمة الله وعدل الميزان، قرينان داعيان، هاتفان مرغبان، إما في الخير وإما في الشر، ولم يستثن الله أحدا من ذلك حتى سيد ولد آدم صل الله عليه وسلم. كما ورد في حديث عبد الله رضي الله عنه أن رسُول الله صل الله عليه وسلم قال: (ما مِنكُمْ مِن أحد إِلا وقد وُكِّل بهِ قرينهُ مِن الجِن وقرينهُ مِن الملائِكة، قالوا: وإِياك يا رسُول الله، قال: وإِياي ولكِن الله أعانني عليهِ فلا يأْمُرني إِلا بِحقٍّ) ( ).

وقال الإمام مسلم: باب تحريشِ الشّيطان وبعثهِ سراياهُ لفِتنة الناسِ وأن مع كُل إِنسان قرينا. ثم روى عن عائِشة رضي الله عنها أن رسُول الله صل الله عليه وسلم خرج مِن عندها ليلا: قالت عائشة فغِرت عليهِ، فجاء فرأي ما أصْنع، فقال: ما لكِ يا عائِشة أغِرت؟ فقُلت: وما لي لا يغار مِثلي على مِثلك، فقال رسُول الله صل الله عليه وسلم: أقد جاءكِ شيطانكِ؟ قالت: يا رسُول اللهِ، أوْ معي شيطان؟ قال: نعمْ، قُلت: ومع كُل إِنسان؟ قال نعمْ قُلت ومعك يا رسُول الله قال: نعمْ. ولكِن ربِّي أعانني عليهِ حتى أسْلم) ( ).

وروى الترمذي وحسنه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: (إِن للشّيطان لمّة بِابْن آدم، وللملكِ لمّة، فأمّا لمّة الشّيطان فإِيعاد بِالشّر وتكْذيبٌ بِالحقِّ، وأمّا لمّة الملكِ فإِيعاد بِالخير وتصْديقٌ بِالحقِّ، فمن وجد ذلك فليعلمْ أنهُ مِن الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ بِالله مِن الشّيطان الرجِيمِ، ثمّ قرأ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ البقرة:٢٦٨) ( ).


اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "ما المقصود بالهاتفين كثاني ركن في اختيارات الإنسان؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات