الأربعاء، 29 مايو 2019

لما خلق الله السماوات والأرض وتمت حكمته في إعدادها على مرحلتين ابتداء من خلق الأرض في المرحلة الأولى، وانتهاء بتهيئة السماء ودحو الأرض في المرحلة الثانية، فقال تعالى في سورة البقرة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ البقرة:٢٩.
بين الله عز وجل بعدها مباشرة ابتلاء الملائكة بالإنسان، وابتلاء الإنسان بالملائكة فقال سبحانه وتعالى:وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ البقرة:٣٠.
وظاهر الآية أن الملائكة والجان سبقت وجود الإنسان وابتلاها الله عز وجل في بيان موقفهم من قضية استخلافه في الأرض، وما سيترتب عليها لاحقا، ولذلك فإن خطاب الله لملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة هو إخبار منه لهم عن واقع سيحدث في الكون من جهة، وابتلاءا لهم بذلك من جهة أخرى، فالحكمة أو العلة في إعلام الله عز وجل للملائكة وإبليس باستخلاف الإنسان في أرضه أن ذلك كان امتحانا لهم ليرى موقفهم ممن استخلفه في أرضه دونهم، بعد أن كرمه وهيأ الكون من أجله بعدله، وبناء على موقف الملائكة وإبليس، أو بتعبير آخر بناء على رد فعلهم تجاه حكمة ربهم سوف يتحقق فيهم العدل والإنصاف كما تحقق للإنسان في قضية الاستخلاف، فإعلام الله عز وجل لهم باستخلاف الإنسان إنما هو اختبار وامتحان يترتب عليه تقرير المصير، وبيان حكمة الله عز وجل في سائر ما يخصهم من أنواع التدبير.
ولما قال الله للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً البقرة:٣٠. كان رد فعلهم أن قالوا لربهم: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ البقرة:٣٠. والرد المتوقع من الملائكة ومعهم إبليس أن يكون بخلاف ما صدر منهم، فالكل عبيده يفعل بهم أو بغيرهم ما تشاء فهو العليم الحكيم. أما قولهم:قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ البقرة:٣٠. تعميم لم يستثنوا فيه أحدا حتى الرسل والأنبياء أو خاصة العباد من الأولياء، وإن قيل إنهم استعملوا القياس بين من سبق من الجن وما يكون عليه الناس فالإفساد في الأرض وسفك الدماء وجب أن يحمل على الظن أو الاحتمال لا على القطع بوقوع السوء من الأفعال، وقد رد الله عز وجل عليهم ذلك بقوله: قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ البقرة:٣٠.
قال ابن القيم: (لما اعترضت الملائكة على خلق الإنسان، وقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، أجابهم سبحانه بأن في خلقه من الحكم والمصالح ما لا تعلمه الملائكة، والخالق سبحانه يعلمه، وإذا كانت الملائكة لا تعلم ما في خلق هذا الإنسان الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء من الحكم والمصالح، فغيرهم أولى أن لا يحيط به علما، فخلْق هذا الإنسان من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة) ( ) .
وقد أثبت الله لهم أن الإنسان بأوصافه التي جعلت للابتلاء مناسب لاستخلافه فعلمه الله الأسماء: قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ البقرة:٣٣.
كما أن قول الملائكة: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ البقرة:٣٠. فيه ذكر لأنفسهم بالفضل وكمال العبادة، والله عز وجل أجل من أن يخفى عليه شيء من أفعال عباده، وقولهم أيضا فيه إشارة بالرغبة في تولي الخلافة بدلا من الإنسان، وتقليل من شأنه بإمكانية الإفساد والعصيان، ومعلوم أن الراسخين من العابدين إذا بلغ خضوعهم أعلاه كشأن النبي عز وجل عندما تورمت قدماه لا يذكرون عبادتهم لله بمدح وافتخار؛ بل يذكرونها على وجه التقصير والافتقار والذل والانكسار.
والقصد أن رد الملائكة ومعهم إبليس لم يكن على النحو المطلوب، وليس ذلك شأن المحب في سلوكه مع المحبوب، ولهذا ابتلاهم الله عز وجل جميعا بالسجود ليختبرهم ويرى مدى صدقهم في قولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ البقرة:٣٠.
ولا شك أن الملائكة الذين خاطبهم الله عز وجل بقوله: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ البقرة:٣٠. هم الذين خاطبهم بقوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ البقرة:٣٤. وذلك لأن الله عز وجل جمع الخطابين في موضع واحد فقال: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ، إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
الحجر:٢٨/٣١. فإبليس لا شك أنه كان بين القائلين: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ البقرة:٣٠. ومن ثم فإن قولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ البقرة:٣٠. قول مشترك لم يصدر من الملائكة فقط الذين خلقوا من النور ولكن صدر أيضا من إبليس الذي خلق من النار وله حكم الملائكة في مشاركة الخطاب والجواب.
قال ابن كثير: (لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم وذم في مخالفة الأمر)
ومن ثم فإن الاستنكار كان من إبليس لأن امتناعه عن السجود كشف عن سريرته، وظهر حقده على آدم وذريته، وقد بين الله عز وجل غروره واستكباره، وتشكيكه أيضا في حكمة الله تعالى؛ حيث رأى نفسه أنه والملائكة أفضل لهذه المنزلة الرفيعة التي وصل إليها الإنسان. أما الملائكة الذين خلقوا من نور فموقفهم كما ذكر ابن كثير: (إنما سؤالهم سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ولا يصدر منا شيء من ذلك وهلا وقع الاقتصار علينا؟)
لكنهم بقولهم هذا كانوا يرغبون أن يكون الخليفة في الأرض على صفة الطاعة المطلقة لا يعصي الله أبدا، ولما كانت هذه صفتهم فهم أولى بهذا الوصف من الإنسان، ولذا قالوا ما معناه: لو أردت أن تستخلف استخلف من لا يعصيك، يعنون أنفسهم.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©