صح من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنت المقدمُ وأنت المؤخرُ، لا إِله إلا أنت أو لا إِله غيرك) ( ) .

والمقدم سبحانه هو الذي يقدم ويؤخر وفق مشيئته وإرادته، فالتقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله في خلقه، وهو كوني وشرعي، فالتقديم الكوني هو تقدير الله في خلقه وتكوينه وفعله كما ورد ذلك في قوله: ( لكُل أمةٍ أجَلٌ إِذا جَاءَ أجلهم فلا يستأْخِرون سَاعَة ولا يستقدِمون)[يونس:49] .

ومن التقديم المتعلق بالتدبير الكوني اصطفاء الحق لمن شاء من خلقه، وتقديم بعض خلقه على بعضه بناء على حكمته في ابتلاء المخلوقات واصطفاء من شاء للرسالات .

أما التقديم الشرعي فهو متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل وتقديم بعض الأحكام على بعض، لما تقتضيه المصلحة التي تعود على العباد، فالمقدم سبحانه هو الذي يقدم الأشياء ويضَعها في مواضِعها على مقتضى الحكمة والاستحقاق، فمن استحق التقديم قدمه، ومن استحق التأخير أخره، والله تعالى أيضا هو المقدم الذي قدم الأحباء وعصمهم من معصيته، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء تشريفا له على غيره، وقدم أنبياءه وأولياءه على غيرهم فاصطفاهم وطهرهم ونصرهم وأكرمهم .

ومن الدعاء باسم الله المقدم ما صح من علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد قال: (اللهم لك سَجَدت، وبك آمنت، ولك أسلمت سَجَدَ وجهي للذِي خلقه وصَورَه فأحسَن صُورَته، وشق سَمعَه وبَصَرَه وتبَارَك الله أحسَن الخالقِين، وإِذا سَلم من الصَّلاةِ قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسرَرت وما أعلنت وما أسرَفت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم والمؤَخر لا إِله إلا أنت) ( ) .

ومن آثار توحيد المسلم لله في اسمه المقدم أن يقدم منهج الله على أي منهج سواه، ولا يقدم عليه عقله وهواه، ويحذر من الشهوة والشبهة ويراقب ما قدمته يداه، ويزن أوليات العبودية في التزاماته، ويراعي ما قدمه الله في أحكامه وتشريعاته، ويعمل في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل .

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©