لما كانت منطقة الكسب في القلب هي المسيطرة على الخواطر في حديث النفس والجوارح في سائر أعضاء البدن، كان القلب لهذه الأركان والأعضاء كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت سلطانه وقهره وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، فالجسد فيه مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، فالقلب فيه مشيئة العبد ونيته وإرادته وسائر أعمال القلوب، والأعضاء منفذة لما يأمرها به، قابلة لما يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسئول عنها كلها، لأن كل راع مسئول عن رعيته .

ولما علم عدو الله إبليس أن مدار المسئولية على القلب، والاعتماد عليه أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن الطريق، وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة والاستعاذة بالله تعالى والتعرض لأسباب مرضاته والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته، ولما كان القلب موصوفا بالحياة وضدها انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة:


1-    القلب السليم: هو القلب الصحيح الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به كما قال تعالى:  يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ

، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ   الشعراء:٨٨/٨٩. والقلب السليم هو السالم الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له فهو ضد المريض والسقيم والعليل، وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق، وهذه حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده، فالقلب السليم هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى إرادة ومحبة وتوكلا وإنابة وإخباتا وخشية ورجاء، وخلص عمله لله فإن أحب أحب في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من سوى رسوله، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في الأقوال والأعمال، من أقوال القلب وهي العقائد، وأقوال اللسان، وهي الخبر عما في القلب، وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صل الله عليه وسلم .


2-    القلب الميت: وهو ضد هذا وهو القلب الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه سواء رضي ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله حبا وخوفا ورجاء ورضا وسخطا وتعظيما وذلا، إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه فهواه أفضل عنده وأحب إليه من رضا مولاه، فالهوى إمامه، والشهوة قائده والجهل سائقه، والغفلة مركبه، فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور، يناديه داعي الخير في قلبه ومن كتاب ربه وسنة نبيه أن أقبل إلى الله وإلى الدار الآخرة، فلا يستجيب للناصحين ويتبع كل موسوس حزب الشياطين، تعلق بالدنيا فهي مبتغاه، تسخطه وترضيه، والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه، فمخالطة صاحب هذا القلب سقم ومعاشرته سم ومجالسته هلاك .


3-    القلب المريض: وهو قلب له حياة وبه علة، فله مادتان تمده هذه مرة وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له والتوكل عليه ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها، والحرص على تحصيلها، والحسد، والكبر، والعجب، وحب العلو والفساد في الأرض ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين، داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة، وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا، وأدناهما إليه جوارا، فالقلب الأول حي مخبت لين واع، والثاني يابس ميت، والثالث مريض، فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى

وقد جمع الله بين هذه القلوب الثلاثة في قوله سبحانه وتعالي:  وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  الحج:٥٢/٥٤. فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب في هذه الآيات ثلاثة، قلبين مفتونين، وقلبا ناجيا، فالمفتونان هما القلب الذي فيه مرض والقلب القاسي، والناجي هو القلب المؤمن المخبت إلى ربه، وهو المطمئن إليه الخاضع له، المستسلم المنقاد.

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©