الأربعاء، 8 مايو 2019


الفناء الصوفي الذي أوقعهم في الحلول والاتحاد يسمى بالفناء عن شهود السِّوى، وهو بمعنى إبطال قوى العقل حتى يدخل فيما يشبه الغيبوبة التي لا يشاهد فيها إلا الله، ولا يرى في الوجود إلا الله، لا خالق ولا مخلوق، فالكل هو الله، العبد رب والرب عبد، وقد زعم الحسين بن منصور الحلاج في زندقته أن التوحيد لا يكون توحيدا إلا إذا كان كل من المحب والمحبوب يحل كل منهما محل الآخر وينوب عنه في الكلام والنطق، بحيث تكون صيغته واحدة عند الطرفين، وأن العبد قد يرتقى في درجات الصفاء حتى يصفو عن طبيعة البشرية، فإذا لم يبق فيه من البشرية نصيب حل فيه روح الله الذي كان في عيسي بن مريم، فيصير مطاعا في أمره فلا يريد شيئا إلا كان يقول وقتها للشيء كن فيكون، ويصبح جميع فعله حينئذ فعل الله، وجميع أمره أمر الله، وتحل ذات الله في ذات الإنسان، وأن الإرادة الإنسانية تتحول إلى إرادة إلهية بحيث يصبح كل ما يصدر عن الإنسان من أفعال أفعالا إلهية لله تعالى.

ونظم الحلاج نصوصا كثيرة فلسف فيها نظريته في حلول المحبوب في المحب أو حلول الرب في العبد منها قوله: مزجت روحك في روحي * كما تمزج الخمرة بالماء الزلال. فإذا مسك شيء مسني * فإذا أنت أنا في كل حال. وقوله: أنا من أهوى ومن أهوى * أنا نحن روحان حللنا بدنا. فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا.

وقال ابن تيمية: (وحقيقة قول هؤلاء الإتحاد والحلول الخاص من جنس قول النصارى في المسيح، وهو أن يكون الموحد هو الموحد، ولا يوحد الله إلا الله، وكل من جعل غير الله يوحد الله، فهو جاحد عندهم كما قال ما وحد الواحد من واحد. أي من واحد غيره، إذ كل من وحده جاحد. فإنه على قولهم هو الموحد والموحد)( ).

ذكر ابن تيمية أن ابن الفارض في قصيدته المشهورة التي يقول فيها: لها صلواتي بالمقام أقيمها. وأشهد فيها أنها لي صلت. كلانا مصل واحد ساجد إلى. حقيقته بالجمع في كل سجدة. ثم قال: (إن العارف المحقق من هؤلاء يقول: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا بنفسه، فهو المرسل والمرسل إليه والرسول)( ).

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©