مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة هي المراحل التي يمر بها المخلوق وينتقل من كونه معلومة في علم الله عز وجل وتقديره إلى أن يكون مخلوقا واقعا بقدرة الله ومشيئته.





ولنضرب لذلك مثلا بقياس الأولى، وهو القياس الوحيد الجائز في الغيبيات ولله المثل الأعلى، فمن المعلوم أن الإنسان الذي ينشئ المشروعات العملاقة، لابد أن يبدأ مشروعه أولا بتخطيط محكم في الأذهان، ومعلومات مقدرة مقننة ومحسوبة بدقة وإتقان، ولا بد أن يكون قد درسها جيدا وقام فيها بتقدير حساباته، وضبط أموره وإمكانياته، ثم يقوم بعد ذلك بكتابة تلك المعلومات، ويخط لها أنواعا من الرسومات في بضع ورقات أو مجموعة من الملفات، حتى يمكنه أن يخاطب من خلالها مختلف الجهات، فصاحب البناء لا بد له من موافقة المسئول في المحليات أو البلديات، فإذا شاء له البناء أذن له، وإن لم يشأ رفضه.



ثم يتوقف الأمر بعد ذلك على مشيئة الشخص في الإنشاء، وإرادته في تنفيذ مشروعه والقيام بتصنيعه، واختياره توقيت الفعل المناسب إن توفرت لديه القدرة والإمكانيات، فكم من مشروع يفشل بسبب العجز في القدرة، فإن كانت لديه القدرة نفذ ما يشاء من غير تأخير وإلا طلب المشاركة من الآخرين، فأصبح المشروع مِلكا مشتركا لمن يرغب من المساهمين، وكل منهم حسب قدرته، وقوة أسهمه التي سيشارك بها في المشروع، ثم يبدأ صاحب المشروع في التنفيذ شيئا فشيئا إلى أن ينتهي البنيان كما تصوره ورتبه في مخططه، فهذه مراحل تصنيع الأشياء المتقنة بين العقلاء، وكلما كان العلم أكمل وأدق، والقدرة أتم، كانت الصنعة في جودتها وإتقانها أعلى وأفضل.



وإذا كانت تلك المراتب ومراحل التصنيع تعد كمالا لدى المخلوق، ولابد في هذا الكمال من العلم والكتابة والمشيئة والتنفيذ أو القيام بعملية التصنيع، فالله سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى أولى من المخلوق في هذا الكمال، لاسيما أنه أخبرنا في كتابه وفي سنة رسوله صل الله عليه وسلم أنه قدر أمور الخلائق قبل كونها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ، ثم شاء كونها كما قدرها، ثم خلقها بقدرته المطلقة، فهو سبحانه منفرد بمراتب القضاء والقدر، وهى عند السلف الصالح المراحل التي يمر بها المخلوق من كونه معلومة في علم التقدير، إلى أن يكون مخلوقا واقعا بمشيئته الله وقدرته، وهى عندهم أربع مراتب تشمل كل صغيرة وكبيرة في الوجود.



قال ابن القيم رحمه الله: (مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر أربع مراتب: المرتبة الأولى علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها، المرتبة الثانية كتابته لها قبل كونها، المرتبة الثالثة مشيئته لها، والرابعة خلقه لها)

كتاب سهل - الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©