الحب عمل من أعمال القلب، وهو ضد البغض؛ وقد جعل الله محبته في القلوب نورا للعابدين، وجعل لها في الأبدان دليلا على صدق المحبين، وسببا في رفعة أوليائه الصالحين، ابتلاء للعباد بحكمته، ليبقى الفائزون برحمته في جنته، ويشقى الخاسرون في العذاب بنقمته؛ والحب شيء في القلب يدفع النفس إلى السعي في رضا المحبوب، أو الحصول على المطلوب المرغوب، وقلب الإنسان وعاء قد يمتلأ بحب الله أو يمتلأ بحب غيره. والمحبة شرط في التوحيد، وهي واجبة على المقتصدين والمقربين، فلا يصح قول اللسان، ولا يصلح ركن من أركان الإيمان إلا بإفراد الله بالمحبة. روى البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ‏صل الله عليه وسلم‏ قال: (لا يُؤْمِن أحدُكُمْ حتى أكُون أحبّ إِليْهِ مِن والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجْمعِين) ([1]).


 


والمحبة درجات تنموا في القلب كلما ازداد مقدار الحب، وإذا تعلقت بالمخلوق فلها أسماء متعددة، منها الهوى والغرام والشوق، والهيام والشغف والعشق، والوجد والكمد والحرق، حتى تصل المحبة إلى أعلى درجاتها وهي درجة العبادة، فالتعبد هو غاية الحب مع غاية الذل للمحبوب، والمحبة التي تصل إلى درجة العبودية لا تصلح إلا لله وحده، ولا تجوز لغيره أبدا، وهي أشرف أنواع المحبة، وهي حق الله على عباده، ولا يصح فيها الشرك أبدا، ولذلك كانت شرطا من شروط لا إله إلا الله.


 


والمحبة الواجبة على كل مسلم هي المحبة لله وفي الله، فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحب، ومحبة ما يعين على حبه، ويوصل إلى مرضاته وقربه، وكيف لا يحب المؤمن ما يستعين به على مرضاة ربه، ويتوصل به إلى حبه وقربه، وقد صح من حديث معاذ رضي الله عنه أن رسول الله ‏صل الله عليه وسلم‏ قال: (أسْألك حُبّك، وحُبّ منْ يُحِبُّك، وحُبّ عملٍ يُقرِّبُ إِلى حُبِّك) ([2]).


 


وأما المحبة مع الله فهي المحبة الشركية، وهي كمحبة أهل الأنداد لمعبوداتهم، وهي أصل الشرك الذي لا يغفره الله، فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله، فوالوا عليها، وعادوا عليها، وتألهوها، وزعموا أنها آلهة صغار تقربهم إلى الإله الأعظم.


 


قال ابن القيم: (وهاهنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها: أحدها محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. والثاني محبة ما يحب الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة، وأشدهم فيها. الثالث الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحب الله. الرابع المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئاً مع الله، لا لله ولا من أجله ولا فيه، فقد اتخذه ندّاً من دون الله، وهذه محبة المشركين، وبقى قسم خامس ليس مما نحن فيه، وهى المحبة الطبيعية وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم والزوجة والولد، فتلك لا تذم إلا إن ألهت عن ذكر الله وشغلته عن محبته) ([3]).


كتاب سهل - الرضواني


مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©